محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
111
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
- 3 - قراءة سورة الفاتحة « قال الحسن البصري : إن اللّه أودع علوم الكتب السابقة في القرآن ، ثم أودع علوم القرآن في الفاتحة . فم علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة . أخرجه البيهقي » . ( السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، الجزء الرابع ، ص 120 ) « * » . لا يهم كثيرا في ما إذا كان المعلم الشهير لمدينة البصرة قد قال هذا الكلام أم لا . ومعلوم أنه كان أحد المفكّرين الأكثر قوة ونفوذا وأحد أولئك الذين ساهموا في إيقاظ الوعي العربي - الإسلامي في بداياته . فالشيء الأساسي هو أن هذا القول ظل يتكرر جيلا بعد جيل . وهو لا يزال حتى اليوم يحذّرنا من خطر ممارسة كل قراءة اختزالية . هذا لا يعني بالطبع أننا سوف ننخرط في الخط التبجيلي ، وأن نكرر بصياغات لغوية مختلفة ما كان عدد كبير من المفسّرين المسلمين قد قالوه سابقا . وإنما يكمن مقصدنا الأكثر بعدا وعمقا في المساهمة بتشكيل فكر ديني منفتح عن طريق مثال الإسلام . لقد ابتدأ العلماء يعترفون بأن الخطابات اللاهوتية التي ظهرت حتى الآن مرتبطة كلها بإيديولوجيا رسمية أو معارضة ( كاثوليكية / بروتستانتية ، سنّية / شيعية . . . ) . ونحن نريد أن نخرج من هذا الإطار الضيق ، وأن نجعل ممكنا وجود تفكير ديني منفتح ( من دون أية أسبقيات لاهوتية ) على جميع التجارب الدينية للبشرية . سوف يعترض عليّ اللاهوتيون المحترفون فورا زاعمين أنّي أريد أن أختزل كلام اللّه إلى مجرد مشروع أنتربولوجي مهدّد بالإغراء الوضعي . وسأجيبهم ، لكيلا أضيع وقتي في مناقشات مبدئية لا نهاية لها ، بأن الشجرة تحاكم عادة بناء على نوعية ثمارها « * * » .
--> * تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة ، نشر دار التراث ، 1985 . * * يقصد أركون بالمشروع الأنتربولوجي المهدّد بالإغراء الوضعي ما يلي : إذا ما طبّقنا المنهجية التاريخية نفسها على جميع الأديان التي شهدتها البشرية ، وليس فقط على اليهودية والمسيحية والإسلام ، فإن ذلك -